محمد بن محمد ابو شهبة
330
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وقال : من هذا يا محمد ! : قال : « هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة » ، فقال : أي غدر ، وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس « 1 » ! ! . فكلمه رسول اللّه بنحو ما كلم به من سبقه وأنه ما جاء يريد حربا ، وكان عروة يرمق أصحاب رسول اللّه ويتعرف أحوالهم ، فرأى أمرا عجيبا : رأى رسول اللّه لا يتنخّم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ! ! وإذا أمرهم ابتدروا أمره : أيهم ينفذه أولا ! ! وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ! ! وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدّون النظر إليه تعظيما له ! ! . فرجع عروة إلى قريش فقال : يا معشر قريش ، إني قد جئت كسرى في ملكه ، وقيصر في ملكه ، والنجاشي في ملكه ، وإني واللّه ما رأيت ملكا في قومه قط مثل محمد في أصحابه ، لقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا ، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ، فإني لكم ناصح ، فقالت قريش : لا تتكلم بهذا ، ولكن نرده عامنا هذا ويرجع من قابل . رسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد رأى رسول اللّه حرصا على حرمة البيت ، وإيثارا للسلام على الحرب أن يرسل رسلا إلى قريش بمكة ، لاحتمال ألا يكون عند رسل قريش من الشجاعة ما يحملهم على المصارحة بالحقيقة . فأرسل خراش بن أمية الخزاعي إلى قريش ، حمله على بعير له ليبلّغ أشرافهم ما جاء الرسول إليه ، لكنهم استبد بهم الحمق والغضب ، فعقروا به البعير ، وأرادوا قتله ، لولا أن منعتهم الأحابيش أحلافهم ، فخلّوا سبيله . سفارة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ثم دعا رسول اللّه عمر بن الخطاب ليكون رسولا إلى أهل مكة ، فقال : يا رسول اللّه ، إني أخاف قريشا على نفسي ، وليس بمكة من بني عدي من
--> ( 1 ) كان المغيرة قد قتل الجماعة في الجاهلية ، فتحمل ديتهم عمه عروة هذا ، فلهذا استنكر معاملته له ، ولكنه الإيمان يسمو بصاحبه عن الأهل والولد والمال ! ! وغدر - بضم الغين وفتح الدال - كثير الغدر .